صديق الحسيني القنوجي البخاري

89

فتح البيان في مقاصد القرآن

قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ أي إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ بالحجارة ، وقيل من المشتومين . وقيل من المقتولين ، فعدلوا بعد تلك المحاورة بينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد . فلما سمع نوح قولهم هذا قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ أي أصروا وصمموا على تكذيبي بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ولم يسمعوا قولي ولا أجابوا دعائي وإنما قال هذا إظهارا لما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق ، لا تخويفهم له واستخفافهم به . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 118 إلى 131 ] فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 ) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 124 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 126 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 127 ) أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 131 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً الفتح الحكم أي احكم بيننا حكما يستحقه كل واحد منا . أي أنزل العقوبة والهلاك ، وهذه حكاية إجمالية لدعائه المفصل في سورة نوح . وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وكانوا ثمانين ، أربعون من الرجال وأربعون من النساء . فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي السفينة المملوءة من الناس ، والحيوان ، والطير . والشحن ملء السفينة بالناس والدواب والمتاع . قال ابن عباس : المشحون الممتلىء ، وعنه قال أتدرون ما المشحون ؟ قلنا لا . قال : هو الموقر . وعنه أيضا قال : هو المثقل . ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أي بعد انجائهم الْباقِينَ من قومه . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي علامة وعبرة عظيمة . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أفهم أنه لو كان نصفهم مؤمنين لما أخذوا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أي القاهر لأعدائه والمنتقم بإهابة من جحد وأصر الرَّحِيمُ بأوليائه والمنعم بإعانة من وحّد وأقرّ . كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ أنث الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة ، لأن عادا اسم أبيهم الأعلى ، وكان من نسل سام بن نوح ، ومعنى تكذيبهم المرسلين مع كونهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا قد تقدم وجهه في قصة نوح قريبا .